مجمع البحوث الاسلامية

44

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لا أنّهم يخرجون عنها ويطلبون الماء خارجها كما ربّما يستظهر من يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ . قال الطّبرسيّ ( 5 : 206 ) : « أي يطوفون مرّة بين الجحيم ومرّة بين الحميم ، فالجحيم : النّار ، والحميم : الشّراب ، عن قتادة . وقيل : معناه أنّهم يعذّبون بالنّار مرّة ويجرعون من الحميم يصبّ عليهم ، ليس لهم من العذاب أبدا فرج ، عن ابن عبّاس » . وقال الفخر الرّازيّ : « قوله : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ، هو كقوله : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ الكهف : 29 ، وكقوله : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها السّجدة : 20 ، لأنّهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد مائع ، هو صديدهم المغليّ ، فيظنّونه ماء . فيردون عليه ، كما يرد العطشان ، فيقعون ويشربون منه شرب الهيم . فيجدونه أشدّ حرّا فيقطع أمعاءهم . كما أنّ العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا يبحث عنه ولا يذوقه ، وإنّما يشربه عبّا فيحرق فؤاده ، ولا يسكن عطشه . وقوله : ( حميم ) إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء ، وقوله : ( ان ) إشارة إلى ما قبله ، وهو كما يقال : قطعته فانقطع ، فكأنّه حمته النّار فصار في غاية السّخونة » . ونقول : كلام هؤلاء دلّ على أنّ أهل النّار يخرجون عن الجحيم فيجدون الحميم خارجها ، وليس في الآيات ما يدلّ على خروجهم عنها ، فلاحظ . المحور الثّاني : جاء ( حميم ) بمعنى الصّديق 5 مرّات ، في ( 15 - 19 ) وفيها بحوث : 1 - قد سبق في الأصول اللّغويّة وجه المناسبة بين هذا المعنى وبين الماء الحارّ المغليّ ، وهو شدّة القرب والوصل . وهل هذا مجاز ، أو توسعة في المعنى حتّى صار حقيقة ؟ وهذا هو الصّواب عندنا في تحوّل اللّغات من معنى إلى آخر لمناسبة بينهما ، فلو كان مجازا ابتداء فهو حقيقة استدامة . 2 - جاء ( حميم ) فيها منفيّا وعقوبة لأهل النّار في الآخرة ، إلّا في ( 19 ) فجاء فيها مثبتا توصية للنّبيّ عليه السّلام أو للمؤمنين عامّة على صعيد أدب العشرة مع الآخرين في المجتمع ، مع تفاوت بينها من ناحية الموصوف بهذا الوصف : أ - جاء في ( 15 ) نقلا عن أهل النّار قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فإنّهم يعترفون بضلالهم في عبادة الأصنام وتسويتهم إيّاها بربّ العالمين ، وبأنّ المجرمين قد أضلّوهم ، وفي نفس الوقت يتمنّون الرّجوع إلى الدّنيا بغية للإيمان مع المؤمنين ، وهم يشكون فقد الشّفيع والصّديق هناك : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ، أي صديق يهتمّ بأمرهم قريبا بهم ، ليستأنسوا به ويخلصوا به عن النّار ، فجاء فيها صَدِيقٍ حَمِيمٍ بعد ( شافعين ) . ب - وجاء في ( 16 ) ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ فجمع فيها بين ( حميم ) بلا موصوف وبين ( شفيع ) مع صفة . ج - وجاء ( حميم ) في ( 17 و 18 ) بلا موصوف .